حبيب الله الهاشمي الخوئي
334
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ومهما عرف العبد مضرّة الرّيا وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في الحال من التّوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند اللَّه وما يتعرّض له من العقاب العظيم والمقت الشّديد والخزي الظاهر حيث ينادى على رؤس الخلايق يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت إذ اشتريت بطاعة اللَّه عرض الدّنيا ، وراقبت قلوب العباد واستهزأت بطاعة اللَّه وتحبّبت إلى العباد بالتبغض إلى اللَّه ، وتزيّنت لهم بالشّين عند اللَّه ، وتقرّبت إليهم بالبعد من اللَّه ، وتحمدت إليهم بالتّذمّم عند اللَّه ، وطلبت رضاهم بالتّعرض لسخط اللَّه أما كان أحد أهون عليك من اللَّه فمهما تفكَّر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتّزيّن لهم في الدّنيا بما يفوته في الآخرة وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال مع أنّ العمل الواحد به ربّما كان يترجّح ميزان حسناته لو خلص فإذا فسد بالرّيا خوّل إلى كفّة السّيئات فترجّح به ويهوى إلى النّار فلو لم يكن في الرّياء إلَّا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره وإن كان مع ذلك ساير حسناته راجحة ، فقد كان ينال بهذه الحسنة علوّ الرّتبة عند اللَّه في زمرة النّبيين والصّديقين ، وقد حطَّ عنهم بسبب الرّيا وردّ إلى صفّ النّعال من مراتب الأولياء هذا . مع ما يتعرّض له في الدّنيا من تشتّت الهمّ بسبب ملاحظة قلوب الخلق ، فانّ رضا النّاس غاية لا تدرك فكلّ ما يرضى به فريق يسخط به فريق ، ورضا بعضهم في سخط بعضهم ، ومن طلب رضاهم في سخط اللَّه سخط اللَّه عليهم وأسخطهم أيضا عليه ثمّ أىّ غرض له في مدحهم وايثار ذمّ اللَّه لأجل حمدهم ، ولا يزيدهم حمدهم رزقا ولا أجلا ، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة . وأمّا الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أنّ اللَّه هو المسخّر للقلوب بالمنع والاعطاء ولا رازق إلَّا اللَّه ومن طمع في الخلق لم يخل من الذّلّ والخيبة ، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنّة والمهانة فكيف يترك ما عند اللَّه برجاء كاذب ووهم فاسد وقد يصيب وقد يخطي وإذا أصاب فلا تفي لذّته بألم منّته ومذلَّته .